13015111_1093689490688992_7287097583310335580_n

« أزمة الهجرة السورية: تشكيل نموذج تنموي لما بعد النزاع »

المحاضرة بالغة العربيّة 

« أزمة الهجرة السورية: تشكيل نموذج تنموي لما بعد النزاع »

شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، منتدى الاقتصاديين العرب، المركز السوري لبحوث السياسات، مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية

تم تقديمها في منتدى سياسات المجتمع المدني في اجتماع الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، نيسان/أبريل 2016

14 نيسان/أبريل 2016

ملخص

تناقش هذه الورقة تقرير البنك الدولي الصادر حديثاً حول رفاه اللاجئين السوريين في لبنان والأردن، استناداً على تحليل معلومات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.تشير الورقة إلى بعض الجوانب الأساسية التي لم تتمّ معالجتها، خاصّة آثار السياسات العامة السورية ما قبل الأزمة. كما تسلّط الضوء على الفجوة بين غياب التقييم الاقتصادي الاجتماعي السليم لأوضاع اللاجئين والمجتمعات المضيفة وحقيقة أنّه قد تمّ التفاوض على سياسات المرونة والتكيّف والإدماج مع الحكومتين اللبنانية والأردنية. هذا في ظل غياب جهودٍ مماثلة تتعلّق بمصر والعراق وتركيا بشكلٍ خاصّ، التي تتلقى اليوم أعداداً كبيرة من اللاجئين. بالإضافة إلى ذلك، تقوم منظمات المجتمع المدنيّ بدورٍ كبير في إيصالالمساعدات الإنسانية، في حين يغيب صوتها، كما صوت اللاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة، عن النقاش.

كذلك تقدّم هذه الورقة إطاراً لنموذج التنمية لمرحلة ما بعد النزاع لتحقيق التعافي وإعادة الإعمار. وتدعو إلى خطّة تنموية مشتركة وتعاونية من أجل سوريا ولبنان والأردن سويّة. تستند هذه الخطة على تعاون إقليمي عابر للحدود وعلى خلق توقّعات إيجابية للتنمية ما بعد الأزمة، يجب أن تبدأ بسرعة في المناطق المضيفة للاجئين، مع إعطاء الأولوية للبنى التحتية والخدمات العامة والصحّة والتعليم. كما يجب وضع الحوافز للتشغيل اللائق بغية الحدّ من عدم المساواة وثبيت اللاجئين وتشجيعهم على العودة، لا سيما أولئك ذوي المهارات العالية. ويجب أيضاً تنسيق جهود المجتمع الدولي من أجل تعزيز الكفاءة والمساءلة في الإدارات والمؤسسات المحليّة والوطنية، على أساس تفكيك ديناميات اقتصاد الحرب. كما يجب إعادة النظر في العقوبات العامة على الشعب السوري وإلغاؤها لتمكين التنمية الاقتصادية.

خلفية

اتسمت السنوات الماضية بالتدهور الملحوظ للأزمة السورية التي استمرّت وحصدت مئات الآلاف من الأرواح، وأدّت إلى أزمة إنسانية هائلة وكذلك أزمة لجوء عابرة للمتوسط نحو أوروبا. وتشير التقديرات إلى نزوح نصف سكّان سوريا بحلول نهاية العام 2015، أي حوالي 11 مليون شخص، معظمهم داخلياً، مع ما يقارب الـ4.4 مليون من السوريين مسجّلين كلاجئين خارج البلاد، بالإضافة إلى 1.5 مليون غير مسجّلين.

لبنان والأردن هما أكثر البلدان تأثراً بهذه الهجرة الكبيرة للسكّان، التي لم يسبق لها مثيل منذ النفي القسريّ للفلسطينيين. حيث باتوا يشكّلون نسبةً كبيرة من سكان البلد المضيف، كذلك حظيت تركيا وبعض الدول الأوروبية على أعداد مهمّة من اللاجئين السوريين. لكنّ الاستجابة للأزمة، كما لحاجات السوريين النازحين واحتياجات المجتمعات المضيفة كانت في معظم الحالات مشوّشة وقصيرة الأمد واعتباطيّة وغير كافيّة.

هناك حاجة لمقاربة بعيدة الأمد لأزمة اللجوء السوري، مع الأخذ بعين الاعتبار غياب إمكانيّة الانعكاس السريع لهذا التدفّق للهجرة وأن المشكلة الأساسية تتعلّق بالنازحين داخليّاً. إذ حتّى لو توقفت الحرب في سوريا حالاً، فإن عودة النازحين داخلياً واللاجئين ستكون بالضرورة تدريجيّة ومرتبطة بسرعة تعافي سوريا وتنميتها وبطبيعة « اتفاقية السلام ».

ولذلك، فإن فعاليّة برامج المساعدات الإنسانيّة الحاليّة، التي تتشكّل من المساعدات النقديّة وقسائم الغذاء والبطاقات الالكترونية، هي موضع شكوك كبيرة على المدى المتوسط، علماً أنّها تخفّف من معاناة السكّان الأكثر هشاشةً. كما أن استدامتها هي أيضاً موضع تشكيك، حيث لا يزال المانحون بعيدين عن تنفيذ التزاماتهم الحاليّة. هذا في وقتٍ تتمّ فيه الدعوة لمزيدٍ من التركيز على المساعدات الدولية من أجل التعليم وبناء المهارات والعمل.

وقد قام تقرير للبنك الدولي (فيرن وآخرون، 2016)، تمّ إنتاجه بالتعاون مع مفوضيّة الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين واستناداً إلى بياناتها، بمعالجة مسألة رفاه اللاجئين السوريين في لبنان والأردن. وقد أفضى التقرير إلى اقتراح توصيات لسياسات تتعلّق باللاجئين السوريين على المدى المتوسط من قبل مجموعة البنك الدولي (البنك الدولي، 2016).

وتناقش ورقة السياسات هذه النتائج التي عرضها تقرير البنك الدوليّ بالإضافة إلى مسودة توصياته، من وجهة نظر المجتمع المدني، وبشكلٍ مشترك بين سوريا ولبنان والأردن.

 

رؤية البنك الدولي لأوضاع اللاجئين السوريين

بيانات المفوضية وتحليلها

يوحي تقرير البنك الدولي إلى جهود حثيثة تمّ بذلها لتحليل مجموعات معطيات المفوضية بالنسبة للاجئين السوريين في الأردن ولبنان. بالرغم من ذلك، يركّز التقرير على المعطيات الأردنيّة، في حين يذكر المعطيات اللبنانية فقط بإيجاز في الفصل الأخير. وهذا يمكن أن يكون مردّه إلى ضعف وقلّة المعطيات في حالة لبنان. لكن التقرير يصل إلى استنتاجات وتوصيات حول السياسات المتعلقة باللاجئين السوريين في الأردن ولبنان، وكأنّهما يتشاركان بخصائص متماثلة.

عدا عن ذلك، يتجاهل التقرير الإشارة إلى معطيات بلدانٍ مضيفة أخرى، ولا يذكر غياب الشفافية المتعلقة بالمعطيات التركية، حيث تتبنّى المفوضية المؤشّرات العامة للحكومة التركية وتتعامل معها وكأنّها معطيات المفوضية نفسها (AFAD, 2013). كما تغيب الشفافية عن المفوضيّة فيما يعلّق بالمعطيات المتاحة لديها والتي لا تتشارك فيها مع مراكز الأبحاث أو الإغاثة، حيث كان من الممكن أن تقوم وكالة مستقلّة بإجراء « مسح الزيارات المنزلية القصديّة »، كي لا يتمّ إدخال تحيز في المعلومات التي يتمّ جمعها، لأنّ المفوضية تقوم أيضاً بمراقبة وتوزيع المساعدات. فمثلاً، يشير التقرير إلى أثرٍ ضئيل لوضع العمل و/أو للمهارات على الفقر، وهذا يمكن ربطه بحقيقة أن المستفيدين من المساعدات قد يتجنّبوا الإشارة إلى أوضاع عملهم، خاصّة إذا كان هذا العمل غير مهيكل (غير نظاميّ).

هذا ويثير تحليل البيانات أيضاً بعض التساؤلات. حيث يتبنّى التحليل خطّ فقر المفوضيّة بشكلٍ غير مباشر، وهو أقلّ بكثير من خطوط الفقر الوطنيّة المعتمدة في الأردن ولبنان. كما أنّ تحديد محدّدات الفقر وقيمة معاملاتها بالاستناد إلى نفس البيانات المدروسة لاستهداف الفقر قد يؤدّي إلى نتائج مضلّلة في مجال التغطية والتسرّب. إذ أنّ المتغيرات المستقلّة الأكثر أهميّة في تحديد الفقر (حجم الحالة أو الأسرة، عدد الأطفال، الازدحام، والوصول غير الرسميّ إلى البلد) لديها ارتباطات ذاتية متعدّدة محتملة. كما أنّ النماذج الرياضيّة تعاني من غياب بعض المتغيّرات والارتباطات بين المتغيّرات، وليس من الواضح كيف تمّ التعامل مع هذا الأمر. لكن مّا يثير الاستغراب استثناء التقرير لبيانات اللاجئين في المخيّمات (الزعتري، الأزرق، الإماراتي) من التحليل، « لأنّ اللاجئين في المخيّمات يستفيدون من أشكالٍ متعددة من المساعدات، بما فيها المأوى والتعليم المجاني والرعاية الصحية المجانية »(!) على حد تعبير التقرير.

يعترف البنك الدولي باستمرار امتداد آثار حجم وتعقيدات الأزمة السورية داخل المنطقة وخارجها. فعلى حدّ تعبير التقرير « قامت الاستجابة الإنسانيّة، منذ العام 2011، بمعالجة الحاجات العاجلة والضرورية للاجئين والسكّان المحليين بشكلٍ يتخطى برامج المساعدات الطارئة السابقة في المضمون والتصميم… ولكن هناك إشارات قليلة أنّ الوضع قد وصل إلى توازنٍ قابل للإدارة » (البنك الدولي، 2016). وفي الوقت ذاته، فإنّ استخدام التقرير لقواعد بيانات وزيارات منزليّة أجريت في 2013/2014، لا يأخذ بعين الاعتبار التغيّرات الكبيرة في وضع وحجم اللاجئين منذ ذلك الوقت في استنتاجاته.

لماذا لبنان والأردن فقط؟

إن اختيار هذين البلدين له أهميّته، وكذلك التغاضي عن دول الجوار الأخرى، العراق ومصر، وبشكلٍ خاصّ تركيا التي استقبلت معظم اللاجئين السوريين الجدُد منذ العام 2014.

ارتفع عدد اللاجئين السوريين المسجّلين الذين فرّوا من بلدهم من 2.8 مليون في أواسط 2014 إلى 4.8 مليون في آذار/مارس 2016، أي بحوالي الضعف (وفقاً للمفوضية). وكان عدد اللاجئين المسجلين في لبنان يبلغ 1.0 مليوناً في أواسط 2014، وقد ارتفع بشكل طفيف مؤخراً ليصل إلى 1.1 مليون. أمّا في الأردن، فقد استقرّ العدد على 0.6 مليون. أمّا في تركيا، فقد تطوّر عدد اللاجئين السوريين المسجّلين من 0.8 مليون في أواسط 2014 إلى حوالي 2.7 مليون في آذار/مارس 2016، وهو ما يمثّل أغلب الزيادة منذ ذلك الوقت.

مهما كانت الخلافات حول أعداد اللاجئين غير المسجلين، فإنّ التركيز على لبنان والأردن يعكُس حقيقة أنّ اللاجئين يشكلون فيهما نسبةً ملحوظة من إجمالي عدد السكان، بالإضافة إلى المخاوف من توطين اللاجئين بشكلٍ نهائيّ في كلا البلدين، حتى بعد انتهاء الأزمة. وكان يمكن لإدراج تحليل حول حالة تركيا تقديم إضاءة مهمّة، خاصة في ظل تطوّر الأرقام هناك بشكل كبير، وأنّ تركيا هي المعبر الأساسي لطالبي اللجوء في أوروبا، وخاصّة بسبب الدلائل الحديثة التي تشير إلى ازدياد الفقر بين اللاجئين في تركيا (أزيفيدو وآخرون، 2016). من وجهة نظر الفقر والصحة والتعليم، فإنّ تحليل حالة تركيا، بالإضافة إلى العراق ومصر، كان من الممكن أن يعطي إضاءات مختلفة، حيث تشير التقارير إلى صعوبة الأوضاع الإنسانية للاجئين في تلك البلدان. فمثلاً، إنّ 400،000 طفل سوري في تركيا هم خارج المدرسة (هيومن رايتس ووتش، 2015) وفقط 14% من الأطفال خارج المخيمات، أي أغلبية اللاجئين، يذهبون إلى المدرسة (بيرتي 2015، AFAD 2013). هذا بالإضافة إلى أن الـ2.4 مليون لاجئ سوري خارج المخيمات يؤثرون على حياة 8.2 مليوناً من المجتمعات المضيفة في تركيا، وهي نسبة قريبة لتلك في لبنان والأردن.

ماذا عن الفلسطينيين السوريين؟

لا يحتوي تقرير البنك الدولي أو مسح المفوضية على معلومات حول أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا قبل الأزمة حيث كان عددهم حوالي 560،000 نسمة، وهذا بالرغم من تعرّضهم لظروف قد تكون أسوأ من السوريين. فقد قام لبنان والأردن بوضع عوائق إضافيّة أمام اللاجئين الفلسطينيين في سوريا. بالرغم من ذلك، تشير التقديرات إلى لجوء 43،000 منهم إلى لبنان و15،000 إلى الأردن (أنروا 2015)، وحيث يبقى 430،000 منهم في ظروف بائسة في سوريا (أنروا 2016). ويبقى أنّ الدمج الاقتصادي لهؤلاء اللاجئين أصعب بكثير من دمج السوريين في لبنان والأردن.

يجب معالجة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وفي الدول المضيفة على قدم المساواة مع المواطنين السوريين، حتى ولو كانت هناك منظمة أمم متحدة خاصّة بهم (الأنروا) تهتمّ بإدارة أحوالهم والمساعدات الإنسانية التي يتلقونها.

السوريّون في المجتمعين وسوقي العمل في لبنان والأردن

لا يشير تقرير البنك الدولي، أو مجموعات بيانات المفوضيّة، إلى مسألة رئيسية تربط بين القوى العاملة السورية واللبنانية والأردنيّة، أي الهجرة من أجل العمل. إذ كان هناك هجرة دائريّة منتظمة كبيرة للعمّال السوريين نحو لبنان في التسعينيات والعقد الأول للألفية الجديدة، ارتبط حجمها بالعلاقة المعقدة بين البلدين، خاصّة في ظلّ وجود الجيش السوري في لبنان حتى العام 2005. وقد نالت هذه المسألة قدراً لا بأس به من النقاش الحادّ في لبنان، حيث تمّ تقدير أعداد السوريين قبل أزمة 2005 بين 500،000 و1.5 مليون (!).

قبيل العام 2011، كان هذا العدد يصل إلى 300،000 على أقلّ تقدير، أي ما يقارب 20% من اليد العاملة اللبنانية و6% من اليد العاملة السورية. هؤلاء المهاجرون الدائريون لديهم علاقات عمل وسكن في لبنان، في حين كانت عائلاتهم تمكث في المدن أو القرى السورية. فقد قاموا ربّما بجلب عائلاتهم معهم بعد تردّي الأوضاع الأمنية والحرب، كي يستقرّوا حيث كانت لديهم علاقات عمل سابقة. وقد تمّ لحظ هذا وفقاً للمسوحات الميدانية، مع ملاحظة أن « الكثيرين من السوريين في لبنان الذين نزحوا بسبب الأزمة لا يشعرون بأنّهم لاجئون » (شطي 2015).

ولكنه من غير الواضح في التقرير أو البيانات إذا كان اللاجئون الحاليوّن مرتبطين بالعمل الدائريّ ما قبل الأزمة أو أنّ العمّال المهاجرين الدائريين هم بين المهاجرين الذين لم يتسجّلوا كلاجئين (ما مجموعه 1.5 مليون سوري).

الهجرة الدائرية السوريّة من أجل العمل في الأردن كانت أقلّ عدداً. ولكنّ العلاقات العائلية بين جنوب سوريا (درعا) وشمال الأردن (إربد) قويّة للغاية وتعتمد على القرابة والانتماء القبلي والشبكات الاجتماعية والزواج المتبادل (شطي، 2015). وهنا أيضاً، كان من المهم التحقيق في تأثير العلاقات العابرة للحدود هذه على أوضاع اللاجئين، وخاصّة فيما يتعلّق بتحليل الفارق بين اللاجئين خارج المخيمات وأولئك الموجودين في الزعتري (فقط حوالي 82,000 من حوالي المليون الموجودين حالياً في الأردن بمن فيهم غير المسجلين). هكذا أوضحت منظمة العمل الدولية أن « 51% من الرجال السوريين اللاجئين الذين يعيشون خارج المخيمات يشاركون في سوق العمل، بينما يصل معدل البطالة إلى 17% » (ستايف وهيلسوند، 2015).

هل كان الجفاف هو الذي أدّى إلى إضعاف أوضاع اللاجئين قبل الهجرة؟

يشير تقرير البنك الدولي إلى أنه « قبل تحولهم إلى لاجئين، عانى الكثيرون من صدمات متتالية داخل سوريا، مما أدّى بهم في نهاية المطاف إلى ترك أصولهم وممتلكاتهم ورأس مالهم والبحث عن الأمان في دول الجوار ». وقد تمّ تحديد هذه الصدمات بأنّها « الصدمة المالية العالمية، والصدمات المحليّة الزراعية، والنزاع المسلّح ». وتمّ ربط الصدمات الزراعية « بتأثير الجفاف الطويل الأمد على البلد في سنوات ما قبل أزمة 2011″.

لكنّه قد تمّ البرهان (العيطة، 2009)، بالاستناد إلى المسوح السنوية لقوّة العمل، أن الصدمة الأكبر كانت قد وقعت في 2003-2004، أي قبل الجفاف بفترة كبيرة، حيث انخفضت نسبة العاملين بالزراعة بشكلٍ كبير في ذلك الوقت بسبب سياسات الحكومة التي سمحت بانتشار حفر آبار المياه غير النظاميّة للريّ. وقد أدّى ذلك إلى انخفاضٍ كبير في مستويات المياه الجوفية، ما جعل أغلب ملاّكي الأراضي الصغار غير قادرين على ريّ أراضيهم. هكذا شهد العامان 2003-2004 خسارة ما يقارب الـ20% من مجموع قوّة العمل (والتشغيل) في سوريا وهجرة ضخمة من الريف إلى المدينة. وكان تأثير الصدمة هائلاً لدرجة استحداث الحكومة لـ »هيئة مكافحة البطالة » مع ميزانية تفوق المليار دولار أميركي، التي عملت لما يقارب السنتين على تقديم القروض الصغيرة مع نتائجٍ إيجابية تم رصدها في مسوح قوّة العمل لعام 2005. لكنه، وفي منتصف 2006، تم تفكيكها بشكلٍ مفاجئ واستبدالها بـ »الأمانة السورية للتنمية »، تحت قيادة السيدة الأولى، والتي احتاجت إلى سنوات قبل أن تؤدّي إلى تأثيرٍ يذكر على التشغيل. الصدمة إذاً لم تكن نتيجة الجفاف بل نتيجة السياسات الحكومية. وانتقل الفائض من المشتغلين بالزراعة بشكلٍ عام إلى قطاع الخدمات ذي الإنتاجية المنخفضة.

صدمة ثانية حدثت في 2006 و2007، أي قبل الجفاف الشديد، مع وصول مئات الآلاف من العراقيين (بين مليون ومليون ونصف في بعض التقديرات) الفارّين من الحرب الأهلية في بلادهم. تمّ السماح للعراقيين بالعمل وإنشاء الأعمال في بيئة حضريّة أصلاً مكتظة بالعمالة غير المهيكلة (النظاميّة) للمهاجرين الريفيين السوريين.

أما الجفاف، فقد أضعف الاقتصاد السوري وجعل من السكان العرضة للهشاشة بالفعل أكثر هشاشةً. بالرغم من ذلك، فإن أعداداً قليلة من اللاجئين السوريين في لبنان والأردن كانت لهم علاقة مباشرة بالزراعة، كما تشير قاعدة بيانات المفوضيّة. كذلك، قد تمّ التعويض عن آثار الأزمة الاقتصادية العالميّة من خلال دعم الغذاء ومشتقات النفط، وهي مسألة كان قد أثارها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والحكومة السورية أنّها خلقت عبئاً هائلاً على المالية العامة.

هكذا يبالغ تقرير البنك الدولي في دور الجفاف، ويقلّل من أهمية السياسات العامة للحكومة السورية، في حين يشيد بسياسات الانفتاح والإصلاحات ما قبل الأزمة بالرغم من فشلها في إدارة النمو والاقتصاد، بما في ذلك مسألة الري.

تأثير اللاجئين على المجتمعات المضيفة

كانت دراسة حديثة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي/مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 2014) قد أظهرت أن المساعدات الإنسانية للاجئين السوريين في لبنان كانت تتناسب مع أعداد اللاجئين (حتى العام 2014) مع آثار إيجابية على الاقتصاد اللبناني. فقد أدّى تدفق المساعدات في 2014 إلى استهلاكٍ إضافيّ، تمّ تأمين ربعه من خلال الاستيراد والبقيّة من خلال زيادة الإنتاج في الاقتصاد اللبناني. وقد انعكس هذا الارتفاع نمواً قدره +1.3% في الناتج المحلي الإجمالي اللبناني. وقد تجاوزت آثار الإيرادات الماليّة المبلغ المدفوع بعامل 1.6 مرّة. بالرغم من ذلك، عانى لبنان كثيراً من الأزمة السورية، بما في ذلك عبر الانخفاض في السياحة والاستثمار والتصدير. فقد وصلت وتيرة نموّ الناتج المحلي الإجمالي إلى 2% فقط في العام 2014، مقارنة بما يفوق الـ8% في السنوات السابقة للأزمة السورية. لذلك، فإن المقاربة المتعلّقة بلبنان (وكذلك الأردن) يجب طرحها لا من وجهة المرونة والتنمية فحسب، بل أيضاً انطلاقاً من ضرورة التعافي الاقتصاديّ.

كذلك تأثّر نمو الناتج المحلي الإجماليّ في الأردن، ولكن منذ العام 2008، حيث انخفض من 7% إلى أقل من 3%. ولا يوجد تقييم ذو مصداقيّة عن تأثير المساعدات الإنسانية. لكن من المتوقّع أن يكون لتدفّق المساعدات الإنسانية تأثيراً إيجابياً هنا أيضاً، مع أثر مضاعف على نموّ الاقتصاد (+0.7% في 2015)، ولكن ليس بالقدر الكافيّ بأيّة حال للعودة إلى اتجاهات النمو ما قبل الأزمة. وقد أظهرت دراسة حول التأثير على سوق العمل في الأردن (ستايف وهيلسوند، 2015) أن أهم مشاكل مجتمعات اللاجئين هي التعليم والتمدرس. كما أظهرت أن 51% من الرجال اللاجئين الذين يسكنون خارج المخيمات يشاركون في سوق العمل كعمّال ذوي مهارات منخفضة (البناء، التجارة، الزراعة، الخ.). أمّا معدلات البطالة في الأردن فقد ارتفعت. ولكن، ليس من الواضح إذا كان هذا الارتفاع نتيجة للمنافسة بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة على الأعمال ذات المهارة المنخفضة أو بسبب الانخفاض في النمو الاقتصادي.

لم يقم تقرير البنك الدولي بربط تحليله للبيانات مع التحليل الاقتصادي والاجتماعي. وهناك نقص في الدراسات الاستقصائيّة حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مع مقارنات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين. ونحن ما زلنا بعيدين عن معالجة جميع القضايا الرئيسيّة المتعلقة بالآثار الاقتصادية كما الاجتماعية لأزمة اللاجئين على اللاجئين أنفسهم وعلى المجتمعات المضيفة.

ومع حجم أزمة اللاجئين وكميّة المساعدات الإنسانية المقدّمة والحاجة إليها، من الملفت للنظر أنّه لم يتم بذل جهود كبيرة لتحليل الأوضاع الحالية وعواقبها لاستنباط سياسات تؤمّن صمود اللاجئين والمجتمعات المضيفة، بالإضافة إلى وضع برنامج شامل للتعافي والتنمية ما بعد الأزمة. هذا في الوقت الذي يتم فيه الترويج لسياسات والتفاوض عليها مع الحكومات المضيفة.

تشكيل نموذج تنموي لما بعد النزاع

التعافي وإعادة الإعمار في سوريا

لن يكون النموذج التنموي للتعافي وإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاع في سورية سهلاً بسبب حجم الدمار الكبير الذي شهدته البلاد في الحرب. فقد تم تفكيك آليات الاقتصاد في سوريا واستبدالها باقتصادات أمراء حرب. وقد أتى الدمار على الأملاك الخاصة والعامة، بالإضافة إلى البنى التحتيّة الأساسية. وقد تحوّلت قرى ومدن بأكملها إلى ركامٍ، وتمّ تدمير أو تفكيك المصانع والصناعات. كذلك غادرت مهارات أساسيّة البلد بحثاً عن مستقبلٍ أفضل، وضاع تراثٌ ماديّ وغير ماديّ يحتاج إلى جهود جبّارة لاستعادته.

من ناحية أخرى، يمنع العديد من العوامل عودة اللاجئين، ترتبط مباشرة بأسباب سفرهم إلى البلدان المجاورة وحتّى أبعد من ذلك بحثاً عن ملجأ. إذ ليس من المتوقّع أن يعود الأمن سريعاً في جميع المناطق، حتّى ولو تمّ التوصل إلى حلّ سياسي، فالسلاح منتشر بشكلٍ كبير والطائفية والتطرّف وصلت إلى فئات مختلفة من السكان. كما عانت البنى التحتية لتقديم الخدمات بشكلٍ واسع، من توزيع المياه النظيفة إلى الصرف الصحي إلى الصحة والتعليم، وانخفض عدد الأطباء والعاملين الصحيين لكلّ ألف نسمة بشكلٍ ملحوظ. فكلّ طبيبٍ يغادر البلد يؤدّي إلى مغادرة بضعة الآلاف من السكان. أّما النظام التعليمي فقد عانى أيضاً في بنيته التحتية وفي كوادر خدمته المدنية ومن الجدال المتعلّق بالمناهج التعليمية الرئيسية، هذا في الوقت الذي تعتبر فيه المدرسة أساساً للمواطنة.

علاوة على ذلك، فإنّ العديد من اللاجئين خارج سوريا كانوا أصلاً قد نزحوا داخلياً وعاشوا في ضواحي أو مدن مبنية عشوائياً وتفتقر إلى البنية التحتية والخدمات العامة. وهذا نتيجة لموجة الهجرة من الريف إلى المدينة في العقود الماضية التي كانت أحد المسبّبات الرئيسة للانتفاضة في 2011. وكانت هذه الضواحي والمدن العشوائيّة تعاني من أعلى معدّلات البطالة والعمل غير المهيكل (غير النظاميّ)، اللذان كانا يمسّان بشكلّ أساسي الأجيال الشابّة التي تشكّل اليوم النسبة الأكبر من السكان، وخاصّة النساء. حتّى أنّ نسبة قوّة العمل التي تعمل بشكلٍ غير مهيكل (غير نظاميّ) وصلت إلى حوالي 80%، إذا ما استثنينا المؤسسات العامة والزراعة، بما في ذلك الهجرة الدائرية للعمل في دول الجوار. لذلك، من الواضح أنّ فجوة ستبرز بين التوقّعات المتعلّقة برغبة العودة لمعظم اللاجئين وبين الإمكانيات.

لذا على النموذج التنموي في سوريا لما بعد النزاع أن يأخذ بالحسبان واقع وقيود فترة ما قبل الأزمة، بالإضافة إلى عواقب الحرب. لأنّ الهدف هو خلق الشروط المناسبة لإعادة الديناميّة للاقتصاد وتحفيز المشاركة القويّة والفاعلة للسكان في جهود الإنعاش ضمن ظروفٍ لائقة.

بالإضافة إلى ذلك، على هذا النموذج أن يتناسق مع ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية وتحديثها خلال فترة الإنعاش وإعادة الإعمار ذاتها. هكذا تُبرز الكارثةالتي تسبّب بها النزاع المسلح والحجم الكبير للنازحين واللاجئين الحاجة إلى معالجة الدور السلبيّ للسياسات العامة والاضطهاد والرأسماليّة المبنية على المحسوبية وانعدام المساواة الشاسع.

إطار تنميّة تعاونيّة بين سوريا ولبنان والأردن

نظراً إلى أعداد اللاجئين السوريين مقارنة بالمجتمعات المضيفة، لا يُمكن بناء المقاربة المتوسطة والبعيدة الأمد لما يسمّى اليوم بـ »أزمة اللاجئين » سوى من وجهة نظر إنعاش وإعادة إعمار سوريا وانطلاقاً من رؤية مشتركة من أجل مستقبل تعاون وتشارك بين سوريا ولبنان والأردن.

فالبلدان الثلاث لديها علاقات اقتصادية واجتماعية قويّة، رسميّة وغير رسميّة. فقد لعب لبنان تاريخياً دور باب التجارة والاستثمار في سوريا. وقد مكّنت القواعد السابقة لحركة السكان من أن يشكّل السوريون نسبة ملحوظة من قوّة العمل اللبنانية، وبنسبة أقلّ من قوّة العمل الأردنية. ولطالما لعبت المصارف اللبنانية دوراً هامّاً في الوساطة التجارية والاستثمارية والفرديّة في سوريا، فالعديد من المدراء هم من أصولٍ سورية. هذه المصارف اللبنانية، بالإضافة إلى بعض المصارف الأردنية كانت أوّل من افتتح مصارف خاصة في سوريا سنة 2004. وقد اختار معظم أعضاء مجتمع الأعمال السوري أن يعيش في لبنان والأردن بعد تردّي الأوضاع الأمنية في سوريا. وهم يتحضّرون للمشاركة في سوق إنعاش وإعادة إعمار سوريا، كما زملائهم في مجتمع الأعمال في لبنان والأردن.

من جهة أخرى، كانت المجتمعات المضيفة في لبنان والأردن تعاني أصلاً من فوارق إقليمية كبيرة في التنمية في بلدانها. هذه الفوارق الكبيرة هي سمة رئيسية لنموذج التنمية المعمول به في جميع الدول العربية. في حين أخذت المجتمعات المضيفة على عاتقها ومن تلقاء نفسها، من خلال شبكات المجتمع المدني، معظم عبء اللاجئين وتشاركت مصيرها مع أعدادهم الهائلة. كذلك تشاركت معهم في البنية التحتية وفي الخدمات العامة التي كانت ضعيفة في مناطقها، بينما فشلت مؤسسات الدولة في التعامل مع هذه العيوب، قبل وبعد « أزمة اللاجئين ». وفي الوقت ذاته لم تستفِد المجتمعات المضيفة كثيراً من المنافع الاقتصادية التي أتت من تدفق المساعدات الإنسانية من الأمم المتحدة والدول المتقدّمة.

بالتالي، لا يُمكن رسم إطار نموذج تنمويّ لما بعد الأزمة، بما فيه المقاربة الطويلة الأمد لـ »أزمة اللاجئين »، دون الاستفادة من الروابط القوية بين البلدان الثلاث فحسب، بل دون أن يتمّ أيضاً وضع أسس نموذج تعاونيّ حديث من أجل التنمية يمتّن الروابط الاقتصادية والاجتماعية بينها. وينبغي النظر إلى هذه الأزمة كنقطة انطلاق للحدّ من الفوارق الإقليمية داخل البلدان المضيفة، وخاصّة من أجل تحسينٍ نوعيّ للبنى التحتية والخدمات العامة في المناطق التي تتعامل مع النسبة الأكبر من اللاجئين. حيث يجب تقاسم فوائد التعافي، كما تمّ تقاسم عبء النزاع.

الإطار التنموي المقترح

ينطلق النموذج التنموي المقترح لما بعد الأزمة من واقع البلدان الثلاث ومن حاجاتها الاجتماعية الاقتصادية الأساسية. وهو يتشارك في بعض توصياته العامّة مع بعض اقتراحات البنك الدولي (البنك الدولي 2016)، ولكن مع وضعها في منظورٍ آخر.

1. التعامل منذ الآن مع التحديات التنموية في المناطق المضيفة

بالتأكيد، ينبغي بناء الإطار أوّلاً على التعامل مع التحديات التنموية في البلدان المضيفة. ولكن يجب معالجة هذه التحديات لا على المدى البعيد فحسب، بل كذلك على المديين القريب والمتوسط. إذ أنّ آفاق حلّ الأزمة السورية ليست واضحة بعد، وليس من المتوقّع أن تحصل عودة سريعة للاجئين في المدى المنظور. بالتالي، على المساعدات التنموية أن تأخذ بعين الاعتبار منذ الآن وعلى المدى القريب تحسين البنى التحتيّة وتقديم الخدمات العامة خاصّة في المناطق المضيفة للاجئين، من أجل التعامل مع حاجات المجتمعين سويّة. ويجب أن تحظى هذه المسألة على الأولويّة في الحوار بين وكالات المساعدات والحكومات المضيفة. أمّا الأشغال التي ستنطلق في هذا السياق فيجب أن تخلق فرصاً اقتصاديّة للمجتمعات المضيفة واللاجئين على حدٍّ سواء.

الكهرباء هو مثالٌ نموذجي. فالمجتمعات المضيفة واللاجئين يفتقرون إلى الكهرباء العامة. وسيأتي مخطط لتأمين الكهرباء على المدى القصير والمتوسط بالفائدة على المجموعتين. كما يمكن تصميم المشروع لتأمين الكهرباء عبر الحدود إلى سوريا بعد عودة اللاجئين في فترة الإنعاش، وهي الحال كذلك بالنسبة لتأمين مياه الشرب. بالإضافة إلى ذلك، سيكون هناك أثر مماثل للحوافز الماليّة لمجتمع الأعمال كي يطوّر صناعات أساسيّة في المناطق المضيفة.

2. خلق الحوافز لعودة اللاجئين

مهما كانت الفوائد التي تأتي بها المساعدات، فإنّ بعض اللاجئين يعودون إلى سوريا متى ظهر تحسّنٌ في الوضع الأمني، كما هي الحال مع مخيّم الزعتري في الأردن. بالتالي، يجب تشجيع هذه الرغبة في العودة بالتزامن مع الجهود المبذولة لتحسين الصمود الاقتصادي للاجئين في المناطق المضيفة.

على حوافز عودة اللاجئين أن تأخذ بعين الاعتبار الحيلولة دون هجرة المهارات السوريّة إلى أوروبا والخليج. وتعتبر الرعاية الصحية والتعليم والشركات المتوسطة والصغيرة قضايا رئيسية في هذا المجال. كما أن جهود السلام وتطوير مؤسسات موثوقة وإشراك الناس هي أيضاً أساسية لتشجيع اللاجئين على العودة.

بالتالي، يجب وضع إطار للسماح للأطباء السوريين بخدمة السكّان المحتاجين، وهذا يشمل أولئك الذين يعملون في سوريا من خلال المساعدات الإنسانية، بالإضافة إلى أولئك المتواجدين في لبنان والأردن الذين يمكن استخدام مهاراتهم في مستشفيات مخصّصة للاجئين. وبشكلٍ مماثل، فإنّ تعليم الأطفال والناشئة اللاجئين سيخلق فرصاً داخل سوريا وفي المناطق المضيفة، كي يثبّت عدداً من المهارات ويفتح المجال لعودتهم إلى سوريا. وهذا يتضمّن التعليم الأساسي، مع الأخذ بعين الاعتبار الأخطار الاجتماعية الاقتصادية البعيدة المدى التي يؤدّي إليها ضياع جيلٍ كاملٍ في التعليم. التعليم العالي والتدريب والتقني هما أيضاً مسألتان هامّتان.

يمكن تصميم نظام حوافز مناسب لعودة اللاجئين على المدى القصير، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العودة هي خيار إنساني حرّ للأشخاص المعنيين. ويجب أن يشمل هذا النظام حوافزاً مالية للبدء بأعمال ومشاريع أو إعادة إعمار الأصول المدمّرة، بالإضافة إلى نقلٍ تدريجيّ لبعض المنشآت نحو سوريا، كالمستشفيات أو مراكز التدريب المهني.

فالشركات الصغيرة والمتوسطة هي أيضاً أمرٌ أساسي في تثبيت المهارات في المنطقة. لذا يجب منح السوريين تصاريح مؤقّتة لفتح أعمالٍ ومشاريع، بالإضافة إلى تصاريح إقامة وعمل مؤقتة. ما سيسمح للحكومات بجمع الضرائب وتنظيم قطاع الاقتصاد والعمل غير المهيكل (غير النظاميّ) اللذان ينموان بشكلٍ متسارع.

3. رفع العقوبات العامة عن السوريين الآن

لا يمكن للفرص الاقتصادية أن تنمو داخل سوريا وفي بلدان الجوار من دون وساطة ائتمانية أو مصرفية. تلك التي يتمّ الحد منها بشكلٍ كبير من جرّاء العقوبات المالية التي تضعها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على السوريين الذين لا يمكنهم فتح حسابات مصرفية في بلدان الجوار أو الحصول على قروض. بالمثل، تواجه وكالات الإغاثة، بما فيها وكالات الأمم المتحدة، مشاكل كثيرة في إيصال أموال المساعدات إلى سوريا وبلدان الجوار.

لقد كان لهذه العقوبات أثراً عكسياً على أهدافها المبرّرة المتعلّقة بحقوق الإنسان في سوريا. فقد أدّت إلى زيادة تكاليف معاملات الوساطة المالية، ما أفاد بشكل أساسي أمراء الحرب. كما ساهمت في تفقير السكان الذين يعانون أصلاً من الهشاشة وأدّت بهم إلى المنفى، حيث لا يمكنهم الحصول على الخدمات المصرفية والائتمانية إلا بعد حصولهم على صفة لاجئ في دولة أوروبية.

هكذا يشكّل رفع العقوبات المالية عن المواطنين السوريين شرطاً أساسيّاً لتحقيق اندماجهم الاقتصادي في البلدان المضيفة وأيضاً لعودتهم إلى سوريا. وهنا يمكن لمجموعة البنك الدولي، بالإضافة إلى عملها مع حكومات المنطقة على قضايا التنمية الاقتصادية المتعلقة بـ »أزمة اللجوء »، العمل أيضاً مع وزارة الخزانة في الولايات المتحدة ومع الاتحاد الأوروبي لرفع العقوبات المالية. هذا لا يُلغي الإبقاء على العقوبات الشخصية وتقويتها وعلى الضوابط على الأنشطة الإجرامية أو الإرهابية.

بشكلٍ مماثل، لقد أدّت العقوبات الاقتصادية العامّة الأخرى إلى زيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية في سوريا بشكلٍ كبير. وقد أثّرت على الشعب السوري زيادةً في الفقر وسوء الأحوال المعيشية، كما شجّعت على طلب اللجوء في الخارج. لقد حان الوقت لمراجعتها والتخفيف منها واقتصارها على أولئك المسؤولين عن الحرب الحالية.

4. التفكير بالتنمية إقليميّاً

لطالما تمّ اعتماد النموذج التنمويّ في بلدان المشرق في كلّ دولة على حدة، وهذه هي الحال حتّى في الشراكة الأوروبية-المتوسطية أو في اتفاقيات التجارة الحرّة مع الدول المتقدّمة كالولايات المتحدة. لكن الإنعاش المستقبلي لسوريا وتنمية لبنان والأردن بحاجة إلى نقلة نوعيّة في هذا النموذج ينطلق من مقاربات إقليمية على مستويات مختلفة.

يجب على المستوى الأول أن يتمّ أخذ سوريا ولبنان والأردن كمجموعة إقليمية، وأن يتمّ تنسيق اتفاقيات التجارة الحرة والشراكة مع هذه الدول. ويمكن أن يشمل هذا فتح الأسواق الأوروبية وغيرها من الأسواق أمام منتجات البلدان الثلاث على أساسٍ تفضيليّ، وأن يتمّ تخطّي المقاربات الحالية عبر المناطق الاقتصاديّة التجاريّة الخاصّة.

كما يجب على المستوى الثاني أن يتمّ استهداف تقليص الفوارق بين المناطق في كلٍّ من البلدان الثلاث. ويجب اعتبار الأزمة المترتّبة عن اللاجئين والنازحين داخلياً كفرصة في هذا المجال.

أمّا المستوى الثالث فيتعلّق بالتعاون بين الأقاليم بين الدول الثلاث. فعلى إطار التنميّة الجديد أن يشجّع هذا النوع من التعاون العابر للحدود بين الأقاليم. مثلاً، يجب التفكير في إنعاش وتنمية درعا والمنطقة الجنوبية في سوريا بالترابط مع تنمية إربد والمنطقة الشمالية في الأردن، مع الاستفادة من العلاقات الاجتماعية القويّة بين المنطقتين. وكذلك يجب أن تكون الحال بين ريف دمشق والبقاع في لبنان، وكذلك شمال لبنان مع محافظتي حمص وطرطوس.

وليست المسألة، على هذا المستوى الثالث، في خلق مناطق اقتصادية خاصة محصورة بقدر ما هي في خلق حوافز من خلال تطوير البنى التحتية والخدمات العامة في المناطق المعنيّة وإعطاء الأولويّة لمناخ وشروط ريادة الأعمال والتنمية في هذه المناطق أو المحافظات.

أمّا المستوى الرابع فيتعلّق بتمكين المجتمعات المحليّة وتعزيز مقاربة التنمية من الأسفل إلى الأعلى. هكذا يجب أن يُعطي إطار التنمية الجديد الأولوية للاحتياجات والمشاريع التي تقترحها البلديات والسلطات الإقليميّة المنتخبة محليّاً. ويجب أن يتمّ إشراكها مباشرةً في تبيان وإدارة جهود التنمية، لأنّها تمثّل، من خلال الانتخاب، هواجس السكان المحليين، أي أولئك المستفيدين مباشرة.

ويرتبط المستوى الخامس بالحاجة للتحوّل إلى دولة تنمويّة قويّة، تستطيع إدارة وتنظيم مكافحة عدم المساواة بين المناطق وتلبية حاجات الإنعاش بشكلٍ ديمقراطيّ، وأن تقوم بكفاءة وانسجام بتعزيز عمليّة إعادة الإعمار.

5. خلق بيئة عمل لائقة

في الحقيقة، إنّ جزءاً كبيراً من اللاجئين السوريين في لبنان والأردن مندمج اقتصادياً واجتماعياً، ولكن بشكلٍ غير مهيكل وغير نظاميّ. والتنافس في سوق العمل المحليّ قائم على الشغل ذي المهارات المنخفضة. فقط ذوو المهارات المنخفضة في المخيّمات المغلقة (كالزعتري) أو في المناطق العشوائيّة الكبيرة (كعرسال والمخيمات الفلسطينية) لا يستطيعون الوصول إلى سوق العمل. والأمر مسألة نضال من أجل المعيشة والصمود.

بالتالي يقتصر حظر الاندماج الاقتصادي فقط على العمالة الماهرة والطبقة الوسطى. حيث تُمنع هذه الفئات من افتتاح الأعمال والمساهمة في الاقتصاد المحلّي، وأيضاً من خلق فرص وتقديم خدمات للاجئين الأكثر هشاشة وللمجتمعات المضيفة. الأمثلة النموذجية لذلك تتعلّق بإنشاء المحلاّت التجاريّة المحليّة ومشاغل الحرف اليدويّة وبالأطباء الذين يمنعون من تقديم الرعاية الصحية.

في كلا البلدين، هناك للدمج الاقتصادي لمجتمعات اللاجئينتداعيات سياسيّة. حيث هناك مخاوف من توطينهم بشكلٍ نهائيّ ضمن نسيجٍ اجتماعيّ أصلاً معقّد. لكن من الناحية الأخرى، فإنّ النموّ المتسارع للقطاع غير المهيكل وغير النظاميّ يشوّه الاقتصاد ويخلق مجالات واسعة يغيب عنها حكم القانون والتنظيم والضرائب. لذلك، فإنّ تنظيم بيئة لائقة للعيش والعمل يجب أن يكون هاجساً رئيسيّاً في لبنان والأردن، كما في سوريا.

وهذا يبدأ من خلال تحسينٍ جذريّ فيما يخصّ انخراط أطفال اللاجئين في المدارس. ما يؤدّي إلى تجنّب أسوأ جوانب العمل غير المهيكل (غير النظاميّ)، ألا وهو عمالة الأطفال. على المجتمع الدولي إذاً مساندة أنظمة التعليم الوطنيّة في كلا البلدين بشكلٍ يسمح بإدماج هؤلاء الأطفال خاصّة في المدارس العامة. بالإضافة إلى ذلك، يجب استخدام معلّمين من بين اللاجئين للقيام بهذه المهمة بشكلٍ مؤقّت. وبشكلٍ مماثل، يجب على منح التعليم العالي أن تعطى بالأفضليّة للاجئين ولأبناء المجتمعات المضيفة على حدٍّ سواء.

كما يمكن منح تراخيص مؤقّتة لإنشاء شركات وأعمال لتنمية الاقتصاد المحلي. ويمكن للمستشفيات والمراكز الصحية المحليّة التعاقد مع أطباء سوريين لتقديم الخدمات بشكلٍ خاص إلى اللاجئين والمجتمعات المضيفة.

تهدف المعالجة برمّتها إلى استبدال العمل غير المهيكل (غير النظاميّ) واتكال اللاجئين والمجتمعات المضيفة على المساعدات من خلال إدارة أفضل للوضع المؤقّت وخلق الفرص للتعاون المباشر بين المناطق عند عودة اللاجئين إلى ديارهم.

6. خلق توقعات إيجابية للتنمية ما بعد النزاع

لقد نوّه البنك الدولي بأنّ آثار حجم وتعقيدات الأزمة السورية تمتدّ إلى كافّة أرجاء المنطقة وخارجها، وأنّها لم تصل إلى توازنٍ يمكن إدارته. (البنك الدولي، 2016).

لذا يقترح البنك الدولي « مشاركة أكثر جوهريّة من المجتمع الدولي تتجاوز الاعتماد القصير الأمد على المساعدات الإنسانية » و »التغيير في الترتيبات السياسيّة والمؤسساتيّة » الحيويّة للوصول إلى « مجموعة أوسع من الاستثمارات الاقتصادية والتجارية والتنمويّة البعيدة المدى من أجل التوازن وعكس الاتجاهات الحالية ».

بالتالي، ينبغي البدء بوضع إطار الإنعاش والتنمية لما بعد النزاع في سوريا منذ الآن، بالإضافة إلى خطّة رئيسية للتنمية الإقليمية. لذا يجب توضيح وإطلاق مشاركة المجتمع الدولي في هذه الجهود ابتداءً من اليوم، وقبل الوصول إلى الحلّ السياسيّ للأزمة السورية. فمن شأن هذا أن يولّد توقّعات إيجابية ويخلق حافزاً لوقف تدفّق اللاجئين بل حتى المساعدة في تحقيق السلام. ويتضمّن هذا جهوداً على عدّة مستويات.

أولاً، يجب منذ الآن البدء بنشاطات وضع إطارٍ للإنعاش وللتنمية ولمعالجة آثار الحرب، بالإضافة إلى الحقائق التي أدّت إلى انطلاق الانتفاضة. ويجب الاهتمام بشكلٍ خاصّ بالإطار المؤسّسي، مع تعزيز دور مؤسسات دولة ما بعد النزاع وتمكين السلطات المنتخبة محليّاً وإقليمياً.

وكذلك، يجب تعبئة وتوضيح مشاركة المموّلين والمجتمع الدولي والمؤسّسات المالية العالمية في تمويل إنعاش وتنمية سوريا ولبنان والأردن ما بعد النزاع. هذا يتضمّن تحديد المشاريع التي يمكن البدء بها قبل الوصول إلى السلام داخل سوريا وكذلك في لبنان والأردن. ويجب إطلاق هذه المشاريع من أجل خلق بيئة إيجابية للسلام.

7. فكر محلياً، إعمل كليّاً وعالمياً

قامت الحكومات التي تتعامل مع أزمة اللاجئين السوريين بتصميم خطط استجابة وطنيّة قدّمتها إلى مجتمع المانحين، وكذلك قامت وكالات الأمم المتحدة وغيرها بإعداد جدول أعمال أوليّ من أجل إنعاش سورية. لكن إعداد هذه الخطط والأجندات لم يقم بإشراك المجتمع المدنيّ والإدارات المحلية والإقليمية بشكلٍ كاف، والبعض لم يتمّ نشره في العلن لتمكين مناقشته وتمحيصه.

يمكن تفسير هذا الأمر جزئياً بعدم احترام المانحين لالتزاماتهم بخصوص المعونات الإغاثيّة الأساسيّة، والحاجة الماسة للأموال للتعامل مع الحاجات الإنسانية الملحّة للاجئين والمجتمعات المضيفة. لكنّ المجتمع المدني والإدارات المحليّة هي التي تؤطّر الجزء الأكبر من المساعدات وتتعامل بشكلٍ يوميّ مع الأزمة بكل تفاصيلها. بالتالي يمكن أن يؤدّي غياب الشفافية والتشاور العام مع المجتمع المدني التابع للمجتمعات المضيفة واللاجئين إلى تعريض مساعي تنفيذ السياسات الضرورية للخطر. والناحية الأهم في ذلك أنّه ليس للاجئين صوت في مناقشة السياسات التي ستقرّر مصيرهم.

تتفاقم تداعيات هذا الأمر خاصّة وأن الأزمة قد أثّرت على مؤسّسات الدولة بشكلٍ سلبيّ في كل البلدان التي تستقبل اللاجئين، بالإضافة إلى إضعاف مؤسّسات الدولة السورية بشكلٍ كبير خلال سنوات الحرب. ففي داخل سوريا، تأخذ الإدارات المحليّة ومنظمات المجتمع المدني على عاتقها معظم جهود تأمين المساعدات اللازمة والخدمات العامّة للسكان، بما في ذلك الأعداد الكبيرة للنازحين داخليّاً.

كذلك يجب التعامل مع اقتصاد الحرب داخل سوريا ودينامياته وتفاعلها مع دول الجوار، حيث يجب فرض حوافز سلبية على هذا الاقتصاد خاصّة على المستوى المحليّ من خلال خلق فرص بديلة.

بالتالي، يجب أخذ هذا الوضع كفرصة لتنفيذ إطار ينطلق من الأسفل للأعلى لإدارة نموذج التنمية ما بعد النزاع. على هذا الإطار تمكين الإدارات والمجتمعات المحلية، بالتوازي مع احترام تعزيز مؤسّسات الدولة (المركزية) في كل بلد والزيادة من كفاءتها وفعاليّتها. مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيّات كلّ بلد، يمكن للمنظمات العالمية، كالبنك الدولي، خلق منصّة مناسبة للحوار الضروري لتحقيق الهدفين المنشودين، وإشراك الإدارات المركزية والمحلية ومنظمات المجتمع المدني وممثلين عن المجتمعات المضيفة واللاجئين. وفي هذا المجال، هناك مسألة أساسية وهي السماح للاجئين بانتخاب ممثّلين محليين عنهم لرفع صوتهم وتقديم حاجاتهم وتطلّعاتهم.

هذا الدور هو بنفس أهميّة تصميم وتعبئة الآليات المالية للتعامل مع صمود البلدان والمجتمعات المضيفة وخطط الإنعاش والتنمية لما بعد النزاع.

المراجع

  • AFAD: Syrian Refugees in Turkey 2013. Field Survey Results. Republic of Turkey Prime Ministry Disaster and Emergency Management Presidency. 2013
  • Samir AITA: Labor Markets Policies & Institutions, with a Focus on Inclusion, Equal Opportunity and the Informal Economy: the Case of Syria; ILO study, July 2009.
  • AZEVEDO, Joao Pedro; YANG, Judy S. and INAN Osman Kaan: What Are the Impacts of Syrian Refugees on Host Community Welfare in Turkey?; World Bank Policy Research Working Paper 7542; January 2016.
  • BERTI, Benedetta: The Syrian Refugee Crisis: Regional and Human Security Implications; Strategic Assessment; Vol. 17; n° 4; January 2015.
  • CHATTY, Dawn (supervisor): Ensuring Equality of Education for Young Refugees from Syria (12-25 years): A Mapping Exercise; Refugee Studies Center, University of Oxford; September 2014.
  • CHATTY, Dawn : The Syrian Humanitarian Disaster. Disparities in Perceptions, Aspirations and behavior in Lebanon, Jordan and Turkey; Refugee Studies Center, University of Oxford; RSC Research in brief 3, December 2015.
  • HUMAN RIGHTS WATCH: ““When I Picture my Future, I See Nothing”. Barriers to Education for Syrian Refugee Children in Turkey”; November 8, 2015; retrievable at https://www.hrw.org/node/282910/.
  • STAVE, Svein Erik & HILLESUND, Solveig: “Impact of the Syrian refugees on the Jordanian Labor Market”; ILO, FAFO, 2015.
  • VERNE, Paolo; GIGLIARAN, Chiara; WIESER, Christina; HEDLUND, Kerren; PETZOLDT, Marc; SANTACROCE, Marco. 2016. The Welfare of Syrian Refugees: Evidence from Jordan and Lebanon. Washington, DC: World Bank.
  • UNICEF: Humanitarian Response Plan. Syrian Arab republic. January-December 2016; December 2015.
  • UNDP/UNHCR: Impact of Humanitarian Aid on the Lebanese Economy; 2015.
  • UNRWA: 2015 Syria Crisis Response. Progress report.
  • UNRWA: Syria. Humanitarian Snapshot, February 2016.
  • WORLD BANK: The Syrian refugee Crisis in the Medium Term. What’s Next?; Draft 2; January 27, 2016.
  • 3RP Regional Refugee and Resilience Plan 2016-2017 in the Response to the Syrian Crisis. Turkey

 

2 Comments

  • EL HADDAD Georges commented on 23 mai 2016 Reply

    تحياتي،
    أشار النقرير إلى مسألة آثار السياسات العامة للحكومة على الزراعة والمزارعين قبل 2011 مع التركيز على الري. غير مسألة الري، هل لديكم مصادر وأرقام عن السياسات العامة، لا سيما الزراعية والتجارة الخارجية الزراعية (في الإستيراد والتصدير)، وتأئيرها على الزراعة والمزارع السوري ودخله والمناطق المتأثّرة بانعكاسات هذه السياسات قبل 2011 ؟
    مع كل الشكر.
    جورج الحداد

    • admin commented on 27 juin 2016 Reply

      http://syrianeconomy.org/ شكراً على تعليقك… المعلومات متواجدة في إحصائيّات المكتب المركزي للإحصاء وفي دراسات ومحاضرات جمعيّة العلوم الاقتصادية السورية

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Vous pouvez utiliser ces balises et attributs HTML : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>