ccc1623

لماذا شراكة أوروبيّة-متوسطيّة جديدة؟… سمير العيطة… بيان المعرفة

لماذا شراكة أوروبيّة-متوسطيّة جديدة؟

سمير العيطة
رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

أطلقت وزيرة خارجيّة الاتحاد الأوروبي الجديدة، السيّدة فيديريكا موغيريني، ورشة عمل ضخمة ضمن المفوضيّة الأوروبيّة لإعادة صياغة سياسات الجوار، أي سياسات التعاون والشراكة خاصّة مع الدول العربيّة في جنوب وشرق المتوسّط. وستضع مجموعة العمل التي شكّلتها لهذا الغرض تقريرها وتوصياتها الأولى خلال شهر آذار/مارس القادم كي تتمّ مناقشتها في الوحدات المختصّة وفي البرلمان.
كانت سياسة الشراكة الأورو-المتوسطيّة قد أرسيت في برشلونة سنة 1995، في سياق مؤتمر مدريد للسلام العربي الإسرائيلي بعيد حرب تحرير الكويت. وتمّ تقديمها حينها على أنّها ستُمكِّن من ترسيخ الاستقرار عبر المتوسّط وستشكّل نوعاً من مشروع مارشال نحو البلدان العربيّة، سيكون المقابل لاتفاقيات سلامٍ دائمٍ مع إسرائيل، التي سيبقى لأوروبا علاقات خاصّة بها.
هذا لم يحصل كما كان متوقّعاً. حتّى جاء التقييم السلبيّ لنتائج هذه الشراكة، بالرغم من كلّ المليارات التي دفعها الاتحاد الأوروبي، ودفع الرئيس الفرنسي في 2005، السيّد نيكولا ساركوزي، إلى اقتراح مشروع « الاتحاد من أجل المتوسّط ». أُرسيَت له أرضيّة وأنشئت له مفوضيّة، ولكنّه بقي غير ذي فعاليّة. لأنّ الآليّة الأوروبيّة أصبحت راسخة، وحتّى أقوى من الدول التي تنضمّ تحت لوائها.
إذاً ما الذي يُمكن أن تحمله اليوم سياسة أوروبيّة جديدة تجاه جنوب المتوسّط؟ خاصّة بعد أن تفجّر هذا الجنوب بثورات وانتفاضات، وأصبح واضحاً أنّه لن يشهد الاستقرار إلى بعد سنينٍ طويلة. وبعد أن أصبح البحر المتوسّط « مقبرة » لمئات المهاجرين الشرعيين الذي يهربون بالقوارب نحو الشمال بحثاً عن عيشٍ كريم. ما يطرح على جميع الدول الأوروبيّة تحديات كبيرة في نواحي الأمن وأعباء استقبال المهاجرين وحتّى السياسات الداخليّة.
تحوي المراجعة الأوروبيّة لسياساتها ضمنيّاً إشكاليّة كبيرة لا يُمكن حلّها بسهولة. إذ أنّ الشراكة مع المتوسّط جاءت لتغطّي على توجّه أوروبا نحو شرقها بعد انهيار جدار برلين، عبر سياسة اندماجٍ كاملٍ ومعايير وآليّات واستثمارات كبيرة. إلاّ أنّ هذا الاندفاع نحو الشرق قد اصطدم اليوم بحدود ما يمكن دمجه ضمن منطق أوروبا موحّدة: تركيا الدولة الإسلاميّة التي دفعها رفض دمجها إلى إعادة بناء حلمها الامبراطوريّ الخاصّ، وأوكرانيا نصف الروسيّة التي تطرح مسألة هل روسيا هي أوروبيّة أم أنّها المجال الحيويّ المنافس، وتهدّد بانفجار يُعيد إلى الواقع الحروب الكبرى على أرض أوروبا، واليونان المتوسطيّة التي تمّ إفلاسها بعد سنينٍ من الرعاية والتي تفتح مع انتصار أقصى اليسار في انتخاباتها مجالاً لتغيير كلّ المنظومة الاقتصادية-السياسية لأوروبا انطلاقاً من جنوبها.
بالتالي، تطرح هذه المراجعة حدود الرؤية لما هي أوروبا ككيان، ولتعاملها ليس فقط مع محيطها شرقاً وجنوباً، بل مع ذاتها.
جنوباً، تطرح المراجعة تفاقم إشكاليّة أخرى. أنّ الشراكة الأورو-متوسطيّة التي سادت حتّى الآن كانت في الأساس شراكة بين قارّة تندمج وتتماسك… مع البحر، وليس مع مجموعة من الدول العربيّة تمتدّ على قارتي إفريقيا وآسيا، يمكنها أن تتماسك وتستقرّ في مشروعٍ معقول. بل تعاملت أوروبا ككيانٍ ضخم مع كلّ دولة على حدة، حسب خصوصيّات هذه الدولة، تفرض عليها شروطاً للشراكة تشابه شروط الاندماج دون أن يكون في الأفق أيّ اندماج، لا ضمن أوروبا ولا بين الدول العربيّة ذاتها. كذلك تمّ فصل الشراكة المتوسطيّة عن الشراكة مع دول مجلس التعاون الخليجيّ النفطيّة، تغاضياً عن أيّ رابطٍ بين المجموعتين. بالتالي تمّ الفصل بين الدول الثريّة بالموارد النفطيّة والماليّة وتلك الكثيفة السكّان. وبقي إستثناءا ليبيا النفطيّة المتوسطيّة ويمن الجزيرة العربيّة الكثيفة السكّان صارخين في هذا السياق.
من ناحية أخرى، كان الخبراء الأوروبيّون يعرفون منذ 1995، أنّ سكّان جنوب وشرق المتوسّط يزدادون عدداً كي يصبح حجمهم بحجم كلّ سكّان القارة الأوروبية في القرن الواحد والعشرين، وأنّ موجة شباب القفزة الديموغرافية وهجرة الريف إلى المدن قادمة كما قدمت عليهم في الستينات باضطراباتها الاجتماعيّة. مع ذلك، لم تهتمّ الشراكة وسياسة الجوار سوى بانفتاح الأسواق، وبإصلاح مؤسسات دولة أثبتت الأحداث الأخيرة قلّة جدواها. ركّزت جهدها على التجارة والمال ونسيت البشر والشباب وسوق العمل. حتّى أضحى الشباب والشابّات هم أغلبيّة السكّان في الجنوب، دون أملٍ في تشغيلٍ كريم، وحتّى توسّع انتشارٍ كلّ ما هو غير نظاميّ حتّى فيما يخصّ سوق العمل، وأشعل البوعزيزي انفجار الإحباط في اضطرابات لن تنتهي إلاّ عندما يجد شباب وشابّات الجنوب ما يشغلهم عن التظاهر وحمل السلاح وإيديولوجيّات اليأس أو الهروب إلى شواطئ الشمال.
اليوم لم تعُد ناجعة سياسات التعاون وغضّ النظر مع أنظمة مستبدّة تكبح مواطنيها عن الهجرة. ولم يعُد كافياً نشر عشرات الفرقاطات على حدود المياه الإقليميّة في برنامجٍ مثل فرونتيكس لمنع القوارب من خوض البحر الجميل. ومشكلة الهجرة وصراع الحضارات التي لوّثت السياسة الداخليّة الأوروبيّة أضحت، بالرغم من سخاء بعض الدول كالسويد وألمانيا في استقبال المهاجرين، متواضعة أمام ما يعيشه الجنوب من هجرات ونزوحات داخليّة من جرّاء الحرب وما يشهده من صعودٍ للتطرّف كي يصنع مع داعش شبه دول.
اليوم أضحت المشكلة أعمق. فلكي يكون هناك تجارة، حرّة أو مفضّلة، يجب أن يزداد عدد المستهلكين خاصّة لبضاعة من النوعيّة الأوروبيّة. ويجب أن يكون هناك نموّ، حتّى بالوتيرة التي سبقت تفجّر الاحتجاجات. ويجب إعادة صياغة تعامل الدولة مع المواطنين، وتحسين قدرتها على التعامل مع الاحتجاج بغير لغة القوّة، أكثر من الحديث فقط عن إصلاحها عبر خبراء أوروبيين غريبون عن المجتمع ومشاكله. بل يجب التفكّر كيف يمكن جعل إسبانيا والمغرب يتعاونان اقتصادياً في حين يعيش كلاهما في ظلّ الأزمة الاقتصادية ويتعاملان بتنافسٍ حادّ.
لا بدّ إذاً من مقاربة أوروبيّة جديدة لأسس التعاون بين أوروبا والدول العربيّة. أحد هذه الأسس هي زيادة وتيرة الاستثمار بشكلٍ ملحوظ، بداية لإنقاذ أوروبا من أزمتها الاقتصادية في عالمٍ متغيّر. ففي النهاية، كان مشروع مارشال الأمريكي الذي نهض بأوروبا الغربيّة بعيد الحرب العالميّة الثانيّة، خطّة اقتصادية لإنقاذ الولايات المتحدة من الوقوع في الركود بعد توقّف عجلة المصانع العسكريّة، ولخلق وتيرة نموّ لديها تبتلع الدين العام الذي بلغ نسباً غير مستدامة. والبلدان العربيّة تحتاج للنهوض بمشاريع بناها التحتيّة بشكلٍ نوعيّ، وتحتاج لإعادة توازن النموّ بين بعضها وفي داخلها بين المراكز والأطراف، أي ما يُمكن أن يُسمّى إعادة إعمار حتّى لو لم يكن هناك خرابٌ ناتج عن الحروب.
وهذه المقاربة الجديدة يجب أن يقابلها مقاربة من الطرف الآخر، تساهم في طرح التحديات وتقديم حلول الآن، وليس عندما يتمّ اعتماد السياسات من الطرف الأوروبي.

http://www.albayan.ae/knowledge/2015-02-23-1.2318061

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Vous pouvez utiliser ces balises et attributs HTML : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>