في خضمّ اضطرابات « الربيع العربي »، خفّض البنك الدولي بشكلٍ كبير نفقات تشغيله في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أي في البلدان العربيّة أساساً. وقد أُعزيَ هذا التخفيض كما تغييرات مهمّة بين كوادر البنك العليا إلى فشله في رصد وتوقّع أحداث « الربيع العربي » وفي اقتراح سياسات في المرحلة السابقة كانت قد تساعد على تجنّب الاضطرابات التي لن تهدأ قريباً. وبات البنك يتساءل حول الآفاق الاستراتيجيّة لأعماله في المنطقة، مثله تماماً مثل الاتحاد الأوروبي الذي أطلق حملة استشارات حول تعريف سياسات جديدة للجوار في البحر المتوسّط.
هكذا أصدر مركز التكامل المتوسطي التابع للبنك الدولي وثيقة وضعتها مجموعة من الخبراء، تتضمّن نائب رئيس البنك الدولي للمنطقة وتنتقد سياسات التنمية بعد الربيع العربي واصفة إيّاها أنّها ما زالت ذات منهجيّة تقليديّة في حين تعيش البلدان في زمن تطوّرات تاريخيّة غير مسبوقة. مشيراً إلى أنّ «ما هو أبعد من اللحظة الثوريّة، تغلي آليّات متصارعة بأعماق المجتمعات العربيّة، وسيستمرّ هذا الغليان طويلاً… تتواجه فيه قوى شديدة الحركيّة – الشباب، الطبقات المسحوقة، الأطراف الثائرة على الدولة، وجزء من رجال الأعمال – مع قوى انتظام هائلة – الجيش، الطبقات الوسطى، وجزء من الحركات الإسلاميّة – ضمن منطق إصلاح وإعادة تركيب غالباً ما سيكونا غير واضحي المعالم». في حين ستكمن التحديات الكبرى في سبل الوصول إلى عقد اجتماعي جديد، وفي معنى النظام والانتظام في المستقبل، وفي طرق معالجة التوجّهات الاجتماعيّة الجذريّة والمتطرّفة، خاصّة لدى الشباب.
تضع هذه الوثيقة أولويّات عدّة تجب معالجتها: الاقتصاد الريعيّ وآليّات إزالة إعاقته للنموّ الاقتصادي الشامل؛ ودمج الشباب والنساء الاقتصادي والاجتماعي وضرورة تقليص نسبة التشغيل غير النظاميّ ودفع الاقتصادات المحليّة؛ وتنمية سلسلة القيمة بين البلدان العربيّة ومحيطها، خاصّة الدول الأوروبيّة، عبر زيادة القيمة المضافة المنتجة وتطوير التعليم والتأهيل؛ وضرورة دعم تنمية اقتصاد المعرفة، بما فيه الخدمات والبحوث العلميّة؛ وكذلك بالنسبة للاقتصاد الريفيّ والزراعة والأمن الغذائي والتنمية الإقليميّة؛ وأخيراً تشجيع حركيّة الأفراد داخل البلدان وبين البلدان.
يتوّجه الانتقاد في هذه الوثيقة إلى المؤسسات الدوليّة، بما فيها البنك الدوليّ ذاته والاتحاد الأوروبيّ، أكثر منه إلى السياسات الحكوميّة. ويشكّل خطابها التحليليّ تبنيّاً لآراء مفكّرين واقتصاديين لطالما اعتبروا هامشيين مقارنة مع الدغمائيّة القائمة حول منافع الانفتاح وحريّة التجارة وتقليص دور الدولة وحدهم، وقياس التنمية بنموّ الناتج المحليّ الإجمالي دون غيره. وتبرز توصياتها كقطيعة مع السياسات السابقة، فالمطلوب هو إعادة صياغة للانفتاح الاقتصادي لخلق سياسات أكثر دمجاً اجتماعياً وأكثر مراعاةً لدور الدولة في إعادة التوزيع. حيث يجب أخذ الظروف الاقتصاديّة الحقيقيّة للاقتصادات العربيّة وضعف قدرة الحكومات على إعادة التوزيع وعلى إعادة تركيب سلسلة القيمة المضافة بعين الاعتبار. والمطلوب هو أيضاً اليقظة حول «قدرة الاقتصادات العربيّة على التأقلم حول نقاطها الأكثر ضعفاً» رغم أو بسبب التحوّلات.
سيسرّ البعض من هذه المراجعة القاسية ومن الطروحات التي تحتوي شيئاً من الجرأة وإن كانت بلغة منمّقة. إلاّ أنّ سؤالاً جوهريّاً لم يتمّ طرحه. فكيف للبنك الدوليّ والمؤسّسات الدوليّة الأخرى أن تضع سياسات دون أن تعالج أوّلاً تداعيات الحريق التي ساهمت السياسات السابقة أصلاً في إشعاله؟
لقد أدّت الاضطرابات إلى حروب أحدثت دماراً كبيراً في الممتلكات والنفسيّات كما في المؤسسات، وكذلك خسائر إنسانيّة جسيمة وفقداناً كبيراً في الموارد البشريّة، خاصّة في سوريا واليمن وليبيا. كما أدّت إلى موجات هجرة كبيرة إلى لبنان والأردن وتونس ومصر، ما يضع على عاتق سياسات هذه البلدان كاهلاً كبيراً. أضف أنّ بلدين عربيّين عرفا دماراً مماثلاً قبل «الربيع»، وهما السودان والعراق. ما يعني أنّ التحليل الجريء في الوثيقة لا يخصّ سوى البلدان التي ما زالت نوعاً ما مستقرّة مثل المغرب والجزائر ودول الخليج، أو مصر وتونس ولبنان، وهذه كلّها باتت بأمس الحاجة لانطلاقة جديدة.
كان الأولى أن يتمّ وضع آفاق لمساهمة البنك الدوليّ والمؤسسات الدوليّة الأخرى في كيفية المساعدة لإخراج البلدان المنكوبة وشعوبها من محنتها الراهنة ورؤى لإعادة الإعمار بالمعنى العريض للتعبير. إذ لا جدوى للحديث عن التنمية دون معالجة آثار الكارثة التي حلّت بدارفور أو التي تحلّ اليوم في المناطق التي تحتلّها داعش في العراق أو سوريا. كما أنّ لا جدوى للحديث عن النموّ في لبنان والأردن وتونس دون دراسة آثار وجود أعداد كبيرة من المهجّرين، ودور هذه البلدان في إعادة إعمار دول الجوار.
هكذا تخلق الاضطرابات الحالية تحديات وفرصاً جديدة، سواء في البلدان العربيّة التي شهدت دماراً كبيراً أم لتلك التي في جوارها. إذ أنّ الحرب في اليمن أو سوريا مع مآسيها تخلق فرصاً لإعادة بناء للبنى التحتيّة وللمؤسّسات الحكوميّة كما للمنشآت الاقتصاديّة يُمكن التخطيط لها كي تتدارك أوجه القصور التي كانت تعاني منها اقتصادات هذه البلدان في السابق. كما أنّ إعادة النازحين واللاجئين إلى ديارهم يجب أن تنبني على تخطيط اقتصادي واجتماعيّ وبيئيّ مستدام. هذا عدا أنّ الحرب تخلق اقتصادها الخاصّ غير النظاميّ الذي يجب معالجته كي لا يتحكّم مستقبلاً باقتصاد السلم.
كلّ هذا يخلق فرصاً في البلد المعني كما لدول الجوار. فلبنان مثلاً يعاني اقتصادياً من الاضطرابات في سوريا ومن عدد اللاجئين على أراضيه، إلاّ أنّ الدراسات الاقتصاديّة تشير إلى أنّ هؤلاء اللاجئين يساهمون بشكلٍ ملحوظ – بل بالنسبة الأكبر – من معدّل نموّ ناتجه المحليّ الإجمالي. في المقابل، ستخلق إعادة إعمار سوريا فرصاً كبيرة للشركات ولرجال الأعمال في لبنان، كما هو الأمر اليوم فيما يخصّ فرص إقليم كردستان العراق.
بالطبع يجب مراجعة الماضي، ووضع الأسس لمعالجة قصور نموذج التنمية الاقتصادية والاجتماعيّة الذي كان متّبعاً. إلاّ أنّ واقع اليوم ليس واقع الماضي، وحجم الفرص التي سيخلقها خروج بلدان عربيّة مهمّة من الاضطرابات والحرب كبير – إذ تقدّر المبالغ الضروريّة لإعادة الإعمار بمئات مليارات الدولارات – لدرجة أنّه يُمكن أن يغّير وتيرة التنمية في المنطقة برمّتها، بل إنّ وضع الخطط والأمل في هذه التنمية المتسارعة هو ما سيساهم بدوره في الإسراع في إنهاء الاضطرابات الحالية بشكلٍ أسرع.
