لا يُمكن لأيّ متابعٍ للشؤون العربيّة ويقرأ التاريخ إلاّ أن يُجري مقارنة بين ما تعيشه البلدان العربيّة وجوارها منذ بضع سنوات وبين ما شهده تاريخ الشرق منذ أكثر من قرنين، فبعد أن عاش الشرق طويلاً في انغلاقٍ على ذاته، من اليابان حتّى مصر مروراً بأفغانستان، اصطدم فجأة بالغرب الصناعيّ الذي غزاه بسفنه وتجارته ونمط تنظيم مجتمعاته ورسالته «الحضاريّة» و«الديموقراطية».
ويذكر التاريخ كيف سخّر البريطانيّون «الطائفيّة» بين المسلمين والهندوس والسيخ للقضاء على الامبراطوريّة المغوليّة (بصيغتها الإسلاميّة حينها) في الهند بعد أن كانت صرحاً لنسيجٍ اجتماعيٍّ فريد.
وكيف سمح انهيار هذه الامبراطوريّة وتشظّي البلاد بتحويل الهند إلى مستعمرة ضخمة لإنتاج القطن والشاي. وليس استمرار الانفصام المزمن بين الهند وباكستان وبنغلاديش وكشمير وأفغانستان اليوم وتمركز أقسى أنواع التعصّب الدينيّ في هذه البلدان سوى صدى لتلك الأحداث.
كما يذكر التاريخ أنّ حرب الأفيون في الصين كانت لفرض تصدير الأفيون المنتَج في الهند للاستهلاك في الصين، بغية قلب ميزانٍ تجاريّ بقي طويلاً لصالح الصين، وبعملة الفضّة حينها، ومن ثمّ لجعل الصين لقمةً سائغةً لكلّ القوى الطامعة.
وكذلك كيف أجبرت الولايات المتّحدة اليابان التي لم تمسّ أراضيه منذ أزمانٍ طويلة على الاستسلام وفتح موانئه عبر إرسال مدمّرة واحدة. عدا كلّ ما هو معروفٌ عن الامبراطوريّة العثمانيّة ومصر.
تفجّرت «نهضة الشرق» من جرّاء هذه الأحداث. واعترف مثقّفوه بتخلّفهم الصناعي والتقني كما الفكري والتنظيميّ، لمواجهة ما سمي حينها «استعماراً» استخدم حريّة التجارة ونشر الحضارة الحديثة وحقوق الفرد والدولة القوميّة الصرفة سلاحاً ضدّ امبراطوريات ودول وحضارات كانت تقبع في ظلّ «استبدادٍ أسيويّ» بات عقيماً.
لكنّ «نهضة الشرق» تخبّطت كثيراً بين ضرورة الانفتاح على التقانات والأنظمة الحديثة وبين المحافظة على التراث، وبين «ديموقراطيّة» الانتداب واستبداد التنمية المستنير.
في هذا المناخ برز جمال الدين الأفغانيّ، أوّل من وضع لمفهومي الأمّة الإسلاميّة والإسلام السياسيّ معناهما الذي نعرفه اليوم. بعد أن شهد تعثّر محاولات النهوض في أفغانستان وإيران والامبراطوريّة العثمانيّة ومصر، وخضوعهم في النهاية لإملاءات القوى الكبرى.
لكنّ الزخم الأكبر لهذه «النهضة الشرقيّة» أتى من اليابان. البلد الذي استطاع تحديث أنظمته السياسيّة والإداريّة وصناعته بسرعة كبيرة حتّى هزم أسطوله أسطول روسيا القيصريّة عام 1905، كأوّل انتصارٍ عسكريّ لدولة كانت تعدّ متخلّفة على دولة متقدّمة. وجاء دويّ هذا الحدث كبيراً في جميع أنحاء الشرق، بما فيها البلدان العربيّة، سطّره أحمد شوقي في قصيدته:
لله في نصرة اليابان حكمته لا يُسأل الله عن فعلٍ ولا شانِ
رأى اليهود أقاموا المال ربَّهمو وآل عيسى أجلّوه كديانِ
وقوم أحمد قد ضلّوا شريعته وضيّعوا كل إسلام وإيمانِ
تفرّق الكلّ في أديانهم شيعاً وأحدثوا بدعاً في كلّ أزمانِ
فقال أنصر خلقاً لا إله لهم أنا الغنيّ عن العُبّاد سبحاني
لعل إيتو وتوجو والمكاد إذا راموا الهدى عرفوني حقّ عرفاني
ولكنّ ما يتمّ تناسيه أنّ اليابان كانت حينها قد تحوّلت إلى قوّة استعماريّة، وأنّ صراعها مع روسيا كان للهيمنة على كوريا.
لا تختلف صدمة العولمة «الثانية» التي تعيشها البلدان العربيّة والإسلاميّة منذ بضعة عقود كثيراً عن تلك الأولى التي برزت في القرن التاسع عشر، إلاّ بقوّة تأثيرها وسرعة انتشارها. أنماط الخطاب والوسائل هي ذاتها: حريّة التجارة والاستثمار ونشر الديموقراطيّة.
ودول الاستقلال التي شهدت انفتاحاً ونموّاً ملحوظين في بداية عهدها في منتصف القرن العشرين انغلقت على ذاتها من جديد في «استبدادٍ شرقيّ» عقيم. حيث عادت النخب لتعيش معضلات الحداثة والتحديث بالطريقة ذاتها.
هكذا يُمكن مقاربة إيران الشاه وعراق صدّام حسين، مع الفارق، بيابان الماضي. نهض هذان البلدان بشكلٍ استثنائيّ مقارنة مع جوارهما. إلاّ أنّ الأول لم يجد سبيلاً لاحتواء تناقضاته الداخليّة ديموقراطيّاً فانهار أمام الإسلام السياسيّ. والثاني دخل في مغامرات عسكريّة عبثيّة بدأت بحرب استنزافٍ مع إيران وانتهت بغزو الكويت والحصار ومن ثمّ ذلّ الاحتلال والشرذمة حتّى صعود داعش.
جلبت هذه «التعثّرات النهضويّة» كوارث على المنطقة أكبر من تلك التي حصلت في «نكسة» 1967، حين انهار الحلم العربيّ في أيّامٍ ستّة. إذ أضحت أغلب دول المنطقة تعيش مباشرةً في ظلّ قواعد عسكريّة لقوى «عظمى»، ما كانت حركة الاستقلال والتحرّر قد بذلت تضحيات كبرى للانتهاء من سابقاتها.
هكذا تعيش البلدان العربيّة، وكذلك إيران وتركيا، وكأنّها الرجل المريض العثمانيّ تتقاذفها أمواج العولمة الحديثة في عالمٍ عرفت فيه الصين كما أميركا اللاتينيّة أن تشقّ طرقاً أكثر نهوضاً وأكثر تعاوناً. إذ تعرف بلداننا ثورات داخليّة وتقسيماً فعليّاً لبعضها ومشاريع تقسيم لأخرى، وتفرقة في «الأديان شيعاً» وخلقاً «لبدع».
وكلّما نهضت دولة وأحرزت تقدّماً اقتصاديّاً وإدارياً ملحوظاً ولحقت بالعولمة الحديثة، وجّهت نظرها إلى جاراتها «الشرقيّة» أو «الإسلاميّة» الأخرى على أنّها فرائس لمشاريع نفوذ. وتناست أنّ تلك الجارات في الحقيقة ليست فقط شريكات في التاريخ والتراث، وإنّما أيضاً في مشروع «النهضة» كي لا يتمّ الاستفراد بها عند أوّل عثرة.
وتمّ التلاعب بالتراث العربي-الإسلاميّ وكأنّه لم يكن مشروعاً تشاركت فيه جميع شعوب المنطقة، وأعطت كلّ منها ضمنه أفضل ما ورثته من ماضيها. لم يعد ينظر إليه إلاّ عبر الخلافات التي شهدها وطقوسها، لا عبر ما صنع ذاكرة جمعيّة قويّة مشتركة.
فهل تتعظ نخب وشعوب المنطقة من تجارب الشرق السابقة؟ وترى يوماً أنّ الصعود والتنمية لا يعنيان الذهاب إلى الهيمنة على الجار الشريك. أم أنّ الدنيا هكذا؟
* رئيس منتدى الاقتصاديين العرب
